مجد الدين ابن الأثير
106
المختار من مناقب الأخيار
قال : وصعدت إليه ليلة في رمضان ، فقلت له : يا نمير ، لم أفطر . قال : ولم ؟ قلت : أحبّ أن تراك أختي تأكل معي . قال : أفعل . فأصعد إلينا طعام ، فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ ، فلمّا أردت أن أقوم رحمته من أن يراني مولّيا ، وهو في الظّلمة والرّيح ، فبكيت ، فقال : ما يبكيك رحمك اللّه ؟ فقلت له : أنزل إلى الكنّ والضّوء وأدعك في الظّلمة والبرد ؟ فغضب وقال : إنّ لي ربّا هو أرحم بي منك ، وأعلم بما يصلحني ، فدعه يصرّفني كيف شاء ، فإنّي لا أتّهمه في قضائه . فقلت له : لئن كنت في ظلمة الليل إنّ جدّك في ظلمة اللّحد ، أريد أن أعزّيه ، وأطيّب نفسه . فقال لي : ما جعل روح رجل صالح مثل روح رجل متلوّث . ثم قال لي : أتاني البارحة أبي وأبوك عبد اللّه بن نمير ، فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلّي فيه ، فقال لي : يا نمير ، أما إنّك ستأتينا يوم الجمعة شهيدا . قال : فدعوت أمّه ، فصعدت إليّ ، فأخبرتها بما قال ، فقالت : واللّه ما جرّبت عليه كذبا ، وما هذا ممّا كان يتكلّم به ، ولا قال إلّا حقّا . وقال هذه المقالة عشيّة الأربعاء ، فجعلنا نتعجّب ونقول : غدا الخميس ، وبعد غد الجمعة ، فهبه مرض غدا ، ومات بعد غد فأين الشهادة ؟ فلمّا كانت ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هدّة ، فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج ، فبادر الدّرجة ، فزلّت به قدمه ، فسقط منها ، فاندقّت عنقه ، فحفرت له إلى جانب أبي ودفنته ، وانكببت على قبر أبي ، فقلت : يا أبة ، قد أتاك نمير ، وجاورك . فو اللّه ما قلت هذه المقالة إلّا لما كان في قلبي من الغمّ . ثم انصرفت . فلما كان الليل رأيت أبي في النّوم كأنّه قد دخل عليّ من باب البيت ، فقال لي : يا بنيّ ، جزاك اللّه خيرا ، لقد آنستني بنمير ، اعلم أنّه منذ أتيتمونا به إلى أن جئتك يزوّج بالحور . ترجمة الكنى والأبناء النّهرجوري - أبو إسحاق بن محمد * * *